أبي طالب المكي
36
علم القلوب
الغنيمة ، بقطع خصلتين يحصل لك غدا دخول الجنتين . فالعجب ممن يملأ بطنه من الحرام والشبهة ، كيف يطمع في الحكمة ؟ والعجب لمن لا يهجر قرين السوء ، كيف يطمع في مؤاخاة أهل الصلاح وإخوة من السادة ؟ والعجب ممن لا يحفظ لسانه من الكذب والغيبة ، كيف يطمع في دخول الجنة ؟ . وقال يحيى بن معاذ ، رحمه اللّه : حكمة الجسم في ترك نعيم الدنيا ، وحكمة الروح في ترك نعيم العقبى ، وحكمة العقل في احتمال أسرار الأولياء « 1 » ، فالحكمة الأولى للزاهدين ، والثانية للصادقين ، والثالثة للعارفين . وقال بعضهم : المريد يطلب الحكمة ، والمؤمن يطلب التوبة ، والزاهد يطلب الراحة ، والمحب يطلب الخلوة ، والصادق يطلب الهمة ، والعارف يطلب الغاية ، والراغب يطلب الشهوة ، فمن أراد الحكمة فعليه بمجالسة أهل الرغبة والرهبة ، ومن أراد التوبة فعليه بترك الحوبة ، ومن أراد الراحة فعليه بهجران أهل القسوة والغفلة ، ومن أراد الخلوة ، فعليه بخلو المعدة ، ومن أراد اجتماع الهمة ، فعليه بترك الأسباب وقطع العلاقة ، ومن أراد الغاية فعليه بصحبة السادة ، ومن أراد الشهوة فليتهيأ لعظيم الحسرة . وقيل : المتكلمون ثلاثة : عالم أمرى ، وحكيم رباني ، وقاص غافل شهوانى ، فالعالم غسال « 2 » ، والحكيم نبال « 3 » ، والقاص كيال « 4 » . وقال بعضهم : من ادعى الزهد في الدنيا ولم يعط الحكمة فهو كذاب ، ومن ادعى محبة اللّه ثم رغب في الدنيا فهو كذاب ، ومن ادعى الإرادة ثم طلب الراحة فهو كذاب ، ومن ادعى المعرفة ثم أطلق لسانه بالدعاوى فهو كذاب ، ومن ادعى المحاسبة ثم جالس أهل الغفلة فهو كذاب ، ومن ادعى محبة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لم
--> ( 1 ) أسرار الأولياء إلقاءاتهم في قلوب مريديهم وأرواحهم ، من العلوم والمعارف والتوجيه السلوكى عن قرب وعن بعد ، عند التوجه الصامت الكامل ولزوم الجانب الأيمن من الأستاذ والبعد عن الجانب الأيسر عند الجلوس معه . وقد اعترفت العلوم الفلسفية بأن المتوجه إلى إنسان بروحه ، تنطبع في روحه علوم المتوجه إليه . [ راجع مقدمة شفاء السقام للسبكي ] . ( 2 ) أي يغسل النفوس والقلوب من هم الدنيا . ( 3 ) أي يصيد القلوب بنبال حكمته . ( 4 ) أي يكيل الوصايا دون حساب .